حظي مفهوم التنمية المستدامة باهتمام دولي واسع، ولا سيما عقب انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، الذي عُقد في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992م

وتُعرَّف التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تلبي احتياجات الأجيال الحاضرة دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة

ويقوم هذا المفهوم على مبدأ أساسي يتمثل في الاستخدام الرشيد والمسؤول للموارد الطبيعية، بما يضمن المحافظة عليها واستمرار الانتفاع بها عبر الأجيال المتعاقبة

وتقتضي التنمية المستدامة المحافظة على التنوع البيولوجي، وحماية التوازن البيئي، وصون المناظر الطبيعية، وضمان عدم استهلاك الموارد الطبيعية المتجددة بمعدلات تتجاوز قدرتها على التجدد والتعويض

مبادئ التنمية المستدامة في الإسلام

أولى الإسلام عناية كبيرة بحقوق الأجيال القادمة ومصالحها، وأرسى مجموعة من المبادئ والتوجيهات التي تحثّ الإنسان على تحمّل المسؤولية في استخدام الموارد والثروات، وتجنّب الإسراف والاستغلال الجائر الذي قد يؤدي إلى حرمان الأجيال اللاحقة من حقوقها في الانتفاع بهذه الموارد

وتتجلى هذه العناية في عدد من الأحكام والنظم التشريعية الإسلامية، ومن أبرزها أحكام الميراث، والوصايا، والصدقة الجارية، والوقف الخيري

وتعكس هذه التشريعات حرص الإسلام على المحافظة على الأموال والموارد والمنافع العامة، وضمان استمرار آثارها الإيجابية وانتفاع الأجيال المتعاقبة بها

كما تؤكد هذه النظم أن المسؤولية في الإسلام لا تقتصر على تحقيق المصالح الآنية للأفراد والمجتمعات، بل تمتد لتشمل مراعاة مصالح الأجيال القادمة، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات والموارد، والمحافظة على استدامة الانتفاع بها

موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أراضي العراق

يُعدّ موقف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الأراضي الزراعية المفتوحة في العراق نموذجًا تاريخيًا مهمًا للإدارة الرشيدة للموارد الاقتصادية، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة في الانتفاع بالثروات العامة

وقد تناول الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، المتوفى سنة 182هـ، هذه الواقعة في كتابه «الخراج»، موضحًا ما دار من نقاش حول كيفية التصرف في الأراضي الزراعية بعد فتح العراق

فبعد الفتح الإسلامي للعراق، نشأ خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم بشأن تقسيم الأراضي الزراعية المفتوحة على الجنود الذين شاركوا في الفتح

فقد رأى بعض الصحابة ضرورة تقسيم هذه الأراضي بين المقاتلين، قياسًا على ما جرى عليه العمل في توزيع بعض أنواع الغنائم

غير أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له رأي آخر، يقوم على إبقاء الأراضي دون تقسيم، واستمرار زراعتها واستغلالها من قِبل أهلها، على أن يُفرض عليها الخراج، وتُصرف إيراداته في مصالح المسلمين العامة

ولم يكن نظر عمر رضي الله عنه مقتصرًا على تحقيق المصالح الاقتصادية المباشرة للمقاتلين أو أبناء جيله، بل امتد إلى مراعاة مصالح الأجيال القادمة، وضمان استمرار انتفاعها بخيرات هذه الأراضي ومواردها

وقد استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة في هذه المسألة، فتباينت آراؤهم بين مؤيد لموقفه وداعٍ إلى تقسيم الأراضي بين المقاتلين

وكان من بين المؤيدين للتقسيم من رأى أن للمقاتلين حقًا مشروعًا في الأراضي التي فُتحت نتيجة مشاركتهم في الفتوحات

إلا أن عمر رضي الله عنه ظل متمسكًا برأيه، موضحًا أن تقسيم الأراضي الزراعية بين المقاتلين قد يؤدي مع مرور الزمن إلى تركز الثروات والموارد في أيدي فئة محدودة من الناس، مما قد يحرم الأجيال اللاحقة من الانتفاع بعوائد هذه الأراضي وخيراتها

وقد استند عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موقفه إلى آيات من سورة الحشر، ومن بينها قول الله تعالى

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾

[سورة الحشر: 7]

كما استدل بالآيات التي تناولت حقوق الفقراء المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم، حيث قال الله تعالى

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة الحشر: 10]

وقد فهم عمر رضي الله عنه من هذه الآيات أن الانتفاع بالموارد والثروات العامة ينبغي ألا يقتصر على جيل بعينه، بل يجب أن يمتد أثره إلى الأجيال المتعاقبة من المسلمين

ومن هذا المنطلق، اتجهت سياسته إلى المحافظة على الأراضي الزراعية المنتجة، وإبقائها مصدرًا مستمرًا للإيرادات العامة، بما يحقق مصالح المجتمع الإسلامي في الحاضر والمستقبل

الأبعاد البيئية والتنموية لسياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

يُجسّد قرار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشأن الأراضي الزراعية في العراق مبدأً مهمًا يتوافق في جوانب عديدة مع المفهوم المعاصر للتنمية المستدامة

فقد راعى في اجتهاده مصالح الأجيال الحاضرة، ولم يغفل حقوق الأجيال القادمة في الانتفاع بالموارد الاقتصادية والثروات العامة

ومن خلال المحافظة على الأراضي الزراعية وإبقائها منتجة، أسهمت هذه السياسة في ضمان استمرار الانتفاع بعوائدها وخيراتها على المدى الطويل، بدلًا من اقتصار منافعها على مجموعة محدودة من الأفراد في فترة زمنية معينة

كما يعكس هذا الموقف مبدأً إسلاميًا عامًا، يتمثل في أن إدارة الموارد الطبيعية والثروات العامة ينبغي ألا تقوم على تحقيق المكاسب الشخصية العاجلة أو المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل وحدها، وإنما يجب أن تستند إلى العدل، وتحقيق المصلحة العامة، والاعتدال في الانتفاع بالموارد، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة

وتؤكد هذه السياسة أهمية النظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها ثروات ذات منافع ممتدة عبر الزمن، تستوجب حسن الإدارة والمحافظة على قدرتها الإنتاجية، بما يضمن استمرار إسهامها في تحقيق التنمية والرخاء للمجتمع

ومن ثمّ، يمكن النظر إلى اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه باعتباره نموذجًا تاريخيًا يجمع بين العدالة الاقتصادية، وحسن إدارة الموارد، واستدامة المنافع العامة، والمسؤولية تجاه الأجيال المتعاقبة

وهكذا يتضح أن التصور الإسلامي لإدارة الثروات والموارد يتضمن مبادئ تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، من خلال التأكيد على العدالة في توزيع المنافع، ومنع احتكار الثروات، والمحافظة على الموارد المنتجة، وضمان استمرار الانتفاع بها

وتبرز هذه المبادئ أهمية المسؤولية الإنسانية في عمارة الأرض وحسن استغلال خيراتها، بما يحقق التوازن بين احتياجات الحاضر وحقوق المستقبل، ويصون الموارد التي ستؤول منافعها إلى الأجيال التي ترث الأرض من بعدنا

Leave a Reply

Trending